أنت موجود في دولة أخرى، لديك عدد من الدولارات وترغب في تحويلها للعملة المحلية، وفقا لطريقة الصرف الأولى سوف تذهب لإحدى مكاتب الصرافة المتوفرة في الطريق، وبكل ثقة سوف تقدم ما لديك من دولارات، أنت تعرف الشخص الذي سوف تسلمه الدولارات، وسوف يقوم بعد الأوراق أمامك قبل تسليمك إياها، سوف تغادر المكتب، بعدها سوف تكتشف بأن الأموال ناقصة وبأنك قد تعرضت للخداع، سوف تعود للمكتب للمطالبة بالفارق، إلا أن صاحب المكتب سوف يشير إلى لافتة مكتوب عليها عدم مسؤولية المكتب بعد مغادرتك، إن صاحب المكتب كسب من ورائك بصورة غير عادلة على الرغم معرفتك به. في المقابل، هنالك جهاز يقع على قارعة الطريق، تضع فيه الدولارات وتستلم مقابل ذلك العملة المحلية، هذا الجهاز ليس له القدرة على القيام بأي عملية احتيال، قبل وضع الدولارات يمكن أن تعلم بدقة مقدار العملة المحلية التي سوف تحصل عليها، وكذلك هنالك عقد ذكي قواعده غير قابلة للتعديل يحكم جهاز الصرف ويمكن للجميع الاطلاع عليه قبل إضافة الدولارات، أصبح هذا الجهاز (وعاء سيولة في المنصة اللامركزية) أكثر عدالة من صاحب مكتب الصرافة (العملات المدرجة في المنصة المركزية مباشرة).
في عالم العملات الرقمية، الأمر لا يختلف كثيرا عن المثال السابق، بدأت عملة البيتكوين التداول في أواخر سنة 2009، كان سعرها في ذلك الوقت 0.00099 $، في 10 نوفمبر 2021 وصل سعرها إلى 68,789 $، محققة بذلك أكثر من 600 مليون ضعف بالمقارنة مع سعر طرحها، قررت أهم الشركات العالمية الاستثمار فيها وذلك فضلا عن بعض الدول، بينما حتى اليوم لا أحد يعرف الشخص أو الفريق الذي قام بتأسيس هذه العملة، هنالك مجرد شخص غير معروف يطلق على نفسه Satoshi Nakamoto. إن من قام بإنشاء البيتكوين لم يعلن عن نفسه أو عن فريقه، ولكنه وضع الأسس التي من شأنها أن تؤدي لبناء الثقة لأقصى الحدود. الأمر لا يقتصر على البيتكوين، بل هنالك العديد من العملات الرقمية التي حققت ارتفاعات كبيرة ويتم تداولها في أهم المنصات المركزية على الرغم من عدم معرفة الفريق الذي يقف ورائها مثل: عملة Shiba وعملة Rune وعملة Floki. في المقابل، لاحظنا عدد من العملات العربية تعرضت للسقوط على الرغم من معرفة الجميع للفريق الذي يقف ورائها، وعلى الرغم من إن مؤسس إحدى العملات الرقمية صرّح في وسائل التواصل الاجتماعي بأن العملة سوف تصل إلى ألف دولار، ومؤسس عملة عربية أخرى نشر مقطع فيديو يقسم فيه على القرآن الكريم بأن عملته سوف تصل إلى دولار ودولارين (ملاحظة: قام بمسح الفيديو).
إن نجاح العملة الرقمية غير مرتبط بالضرورة بمالكها وشخصيته وتصريحاته وشهرته، بل بالعديد من العوامل والمؤثرات، ومن بينها الشفافية وتجنب وسائل الغش والخداع والاستغلال مثل: الامتناع عن طرح العملة في المنصات المركزية مباشرة – قفل سيولة العملة بالكامل وبصورة مؤبدة – عدم استخدام تقنية إعادة إصدار العملة (Mint) – عدم تخصيص عدد مُبالغ به من العملات للفريق المؤسس أو في المحفظات الرقمية التي يتولى إدارتها – تجنب إجراء اكتتاب للعملة دون توجيه الأموال المتحصلة إلى وعاء السيولة – تجنب إجراء عمليات بيع تفضيلية أو تقليلها بقدر الإمكان – التخلي عن ملكية العقد الذكي – تجنب التضليل الإعلامي.
إن مقومات الشفافية الواردة أعلاه تعتبر أهم بكثير من معرفة أسماء وبيانات فريق العملة، حيث إن هذه المقومات سوف تساعد على نجاح العملة الرقمية وتميزها ومصداقيتها وتجنيبها الانتقادات المتوقعة من المحللين والخبراء. في المقابل، فإن مؤسس العملة الرقمية قد يضر بها إذا لم يقم بواجبه كما يجب أو إذا بالغ أو أخطأ في توقعاته لسعر العملة أو إذا قدم وعود لم تتحقق أو غير قابلة للتحقيق أصلا.
أثناء تصفحك في موقعنا الالكتروني لن تلاحظ وجود صور وأسماء لفريق العملة كما جرت عليه العادة، عدم عرض هذه المعلومات قائم على المبررات التالية:
أولا: العملة لا مركزية مملوكة بالكامل من قبل المجتمع مع تمتعها بكافة مقومات الشفافية لتسير بأمان بصورة منفصلة عن الفريق المؤسس، وبالتالي ليس هنالك قائمة ملاك لمشاركة بيناتهم، المجتمع هم الملاك الحقيقيون.
ثانيا: إنشاء العقد الذكي وملء وعاء السيولة وعرض العقد الذكي للتدقيق من قبل الشركات المختصة وإنشاء الموقع الالكتروني والتسويق وغير ذلك من الجهود التي تمت أو سوف تتم لصالح العملة قائمة على العمل التطوعي، والهدف الأسمى يتمثل في جمع أكبر قدر من التبرعات لكفالة الأيتام، ونرى بأن مبادئ العمل التطوعي تعتبر أكثر سموا وإنسانية في حالة عدم إشهار القائمين عليها.
ثالثا: لا نود أن ترتبط AMAL بإقليم محدد أو بثقافة معينة، بل نأمل أن تنشر ثقافة كفالة الأيتام والإنسانية، إن ربطها بمجتمع بقوة من شأنه التأثير على خطة نقل العملة من العربية نحو العالمية (لا يوجد في العملات الرقمية الناجحة المنشأة في الأقاليم الأخرى عبارات مثل: أول عملة بريطانية – العملة اليابانية الأولى – أول عملة هندوسية)، بينما تظل الإنسانية والمصداقية والشفافية والتقنية واللامركزية لغة مقبولة للجميع في عالم العملات الرقمية، وهذا ما سوف نركز عليه.
رابعا: معرفة أعضاء الفريق لا يمثل بالضرورة أداة تمكنك من الوصول إليهم، لنفترض إنك لأي سبب كان رغبة في رفع دعوى ضد إحدى العملات الرقمية العربية التي بدأت في المنصات المركزية مباشرة، للأسف معرفتك لفريق العملة لن يساعد كثيرا، حيث أن الشركات المنشأة خلف هذه العملات غير موجودة في الدول العربية أصلا، إن الشركات التي تقف خلف هذه العملات مسجلة في جزر كايمان القريبة من البحر الكاريبي وفي جزر سانت فينسنت والغرينادين في الحدود الشرقية من البحر الكاريبي، وهذه الجزر تتصدر قائمة مخابئ الأموال في العالم وتعمل كل ما في وسعها لمساعدة أغنياء العالم على إخفاء أموالهم.

ختاما، لا نقصد من هذا المقال اعتبار معرفة فريق العملة أمر سلبي، حيث بالتأكيد يمكن أن تدار العملة من فريق رائع وصادق من المختصين، وبالتالي من شأن معرفة المستثمرين بالفريق تأسيس الثقة والاطمئنان إلى أقصى الحدود مما يعود بالنفع على العملة الرقمية، إلا أن ذلك لا يجب أن ينتقص من أهمية توافر المقومات اللازمة لإثبات أمان وشفافية العملة الرقمية.
















